احتفاء بالذكرى السنوية الأولى لتأسيسها، استضافت شبكة جمعيات وادنون بكلميم المفكر المغربي الكبير “محمد طلابي” في صبحية فكرية قيمة في موضوع “جدلية الدولة والمجتمع المدني” يوم أمس الأحد 22 ماي 2016 بقاعة الورشات بمقر جهة كلميم وادنون.
بعد الافتتاح بآيات من الذكر الحكيم، قام المسير الأستاذ “امبارك الزيغم” بتحديد السياق الذي جاء فيه تأسيس شبكة جمعيات وادنون بعد دستور 2011 الذي أعطى أدوار جديدة للمجتمع المدني ينبغي القيام بها وتفعيلها، وكذلك في ظل مجموعة من التحولات التي يعرفها وطننا وكذلك الأقاليم الجنوبية، خاصة مشروع النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية، الذي يعد فرصة مهمة للفاعل المدني بمنطقة وادنون.
بعد ذلك أعطى المسير الكلمة لرئيسة شبكة جمعيات وادنون الأستاذة “منينة مودن” التي رحبت بالضيف الكبير الأستاذ المحاضر الذي تحمل عبء التنقل من مدينة الرباط، وبجميع فعاليات المجتمع المدني التي لبت دعوة الشبكة، بالإضافة إلى ممثل المجلس الإقليمي… مشيرة الى أن تنظيم هذه المحاضرة يأتي بمناسبة احتفاء الشبكة بالذكرى السنوية الأولى لتأسيسها في ماي الماضي، كما ذكّرت بأهم أهداف الشبكة التي تضم مجموعة من الجمعيات متعددة التخصصات والموضوعات، والمثمثلة في التعاون والتكثل والتكوين والترافع من أجل تحيق النفع والفائدة لجمعيات المجتمع المدني بالمنطقة، التي أصبحت لها مكتسبات عديدة في بلدنا، كما أشارت إلى أن موضوع المحاضرة يمس جميع الأطراف من دولة ومؤسساتها من جهة وكذلك الفاعلين المدنيين، كما أكدت أن شبكة جمعيات وادنون لها طموحات كبيرة في تطوير العمل المدني بالمنطقة وإقامة شراكات مع جميع مؤسسات الدولة والمجالس المنتخبة خدمة للصالح العام.
وبعد تقديم ورقة تعريفية بالمؤطر، أعطى المسير الكلمة للمحاضر المفكر والباحث والفاعل السياسي والحقوقي والمدني الأستاذ “محمد طلابي” عضو اللجنة الوطنية للحوار حول المجتمع المدني، والذي له إصدارات ومقالات متعددة من بينها مقال في مفهوم المجتمع المدني وآخر في مفهوم الدولة، بالإضافة إلى تخصصه في التاريخ.
المفكر “طلابي” استهل محاضرته بشكر الشبكة على الدعوة لتحقيق التواصل مع الصفوة في جميع المجالات للخروج بخلاصات وإنتاج أفكار تفيد في التنمية الشاملة ببلدنا، مشيراً إلى ما حققه دستور 2011 من مكتسبات للمجتمع المدني، الذي أعطاه سلطة واعترف به رسميا، والاعتراف الرسمي مكسب هائل للجمعيات. ثم توقف عند تحديد وتدقيق مفهوم المجتمع المدني، فهو مجتمع حركي غير حكومي وغير حزبي في مقابل المؤسسات الحكومية والأحزاب، لكن وفي رأي يتسم بالجرأة اعتبره يندرج ضمن المجتمع السياسي، أي أنه يتدخل في الشأن العام ويساهم في إدارته وإصلاحه ومحاربة الفساد الذي يعتري هذا الشأن العام، فهو ليس حزبي أي ليس غايته الوصول إلى السلطة أو إلى مراكز صناعة القرار الحكومية، ولكنه يمارس السياسة بوسائل غير حكومية أي من خارج المؤسسات الرسمية وبأدوات من خارج السلطتين التشريعية والتنفيذية من خلال الاحتجاج والترافع، ويساهم في التأثير على صناعة القرار الرسمي لكن ليس من داخل أجهزة الدولة بل من خارجها، كما يمكنه ممارسة السياسة مباشرة من خلال ما تخوله القوانين التنظيمية الجديدة للملتمسات والعرائض والجماعات الترابية، حيث يمكنه تقديم ملتمسات وعرائض للسلطتين التشريعية والتنفيذية وكذلك للمجالس المنتخبة؛ ليؤكد في الأخير أنه ليس كل عمل سياسي حزبي لأن الحزب غايته السلطة، وأن المجتمع المدني “سلطة” كباقي السلط الأخرى التشريعية والتنفيذية والقضائية والدينية، وهذه السلطة المدنية تم الاعتراف بها دستورياً.
واسترسل المحاضر بطرح سؤال عن علاقة المجتمع المدني بالدين، وهل يمكن أن يكون مجمعا دينياً؟ ليؤكد في معرض الإجابة عليه على نفي هذه الصفة، معتبراً أنه مجتمع “مدني” لكن بمرجعيات واديولوجيات مختلفة، وأن كل الجمعيات اجتهاد بشري وكل اجتهاد بشري هو مدني لا يُنسب للدين لأنه خاضع للخطأ والصواب، بل حتى الدولة في الإسلام مدنية لكونها اجتهادا بشريا لا علاقة له بالعصمة.
وعن دور المجتمع المدني، أكد المحاضر أنه يقوم بدور تخفيف العبء والضغط عن الدولة، وهذا الدور قام به عبر التاريخ، إذ أن أول وأعظم مجتمع مدني عرفه التاريخ هو المجتمع المدني الإسلامي في العصر الوسيط الذي كان عموده الفقري “الوقف” على التعليم والمياه، بل وحتى الوقف على الطير، فالمجتمع المدني الإسلامي قام بالتنمية وحمى النهضة، لكن الأنظمة الشمولية في الغرب في القرن 20 ابتلعت المجتمع المدني وأصبحت الدولة تقوم بكل شيء، وهذا خطأ فادح لأن الدولة لا يمكن أن تقوم بكل شيء، بل لابد من تشارك بين الدولة والمجتمع المدني، لكنه اعترف أن المجتمع المدني في العصر الحديث ازدهر في الغرب وتقدم علينا كثيراً، ويجب أن نستفيد منه لنركب ما هو مفيد في تراثنا المشرق وتراث الغرب المشرق.
أما غاية المجتمع المدني ومقصده الاستراتيجي فقد حدده المفكر “طلابي” في غايتين يجب أن “ينحتهما” وهما تحقيق العزة والكرامة للمواطن وتحقيق التنمية، وأن يكون الرقيب والمراقب على المجتمع الحكومي وعلى الدولة ومؤسساتها وأن لا يقبل أن تمس كرامة المواطن وهدر آدميته، وأن يدافع عن العزة، وإعادة الاعتبار لدوره في التنمية ليكون رديفا للدولة.
وتوقف المحاضر عند “الحكامة” كإحدى أهم متطلبات المجتمع المدني، والتي تعززت في إطار ما نعيشه من مكاسب الربيع الديمقراطي العربي، الذي أجمل المفكر “طلابي” مقاصده في أربع مقاصد، دعا الفاعل المدني إلى الوعي بها في هذه اللحظة التاريخية حتى نستوعب سنن التاريخ ووضع الاستراتيجيات لتحقيقها، وهذه المقاصد هي : إنتاج السلطة وإعادة توزيعها وإنتاج الثروة وإعادة توزيعها وإنتاج القيم القائدة وإعادة توزيعها وإنتاج المفاهيم الفكرية وإعادة توزيعها، وهذه المقاصد يجب أن تكون حاضرة في ذهن ووعي كل فاعل مدني.
كما طالب أن يحل الربيع الديمقراطي في كيان المجتمع المدني، وإحلاله في الجمعيات بدمقرطتها، فلا يُعقل أن نطالب بدمقرطة الحكم ومحاسبة ومحاكمة المسؤولين ولا نحقق ذلك في المجتمع المدني، ولا يُعقل أن يبقى رئيس الجمعية خالداً في منصبه أو يتم تحديده في الكواليس، أي يجب “ربعنة الدولة والمجتمع المدني” حسب تعبير المفكر “طلابي”.
وحدد الأستاذ المحاضر مبادئ الحكامة في ست مبادئ، هي : مبدأ القانونية، والديمقراطية، والشفافية، والتخطيط والعقلانية، والهدفية والغائية، ثم المحاسبة. وهي المبادئ التي لابد أن تكون حاضرة في كل الجمعيات، وهي مطلوبة في كيان المجتنع المدني كما هي مطلوبة في كيان الدولة، إن أردنا مجتمعا مدنيا قويا يساهم في التنمية وحفظ العزة والكرامة للمواطن والبلد.
وختم المفكر “طلابي” محاضرته بالدعوة إلى التفكير في البرنامج الاستراتيجي للأمة ورسالتها، وأن تكون آفاقنا أكبر إلى دائرة الوطن وخارج الوطن لأن العصر عصر التكتلات الكبرى، وأن نعي قوانين العصر لكونها فرصا للنهضة، حيث أضحت التنمية القطرية عاجزة، بل لابد من الروابط العابرة للأقطار كالاتحاد الأوربي، والسعي إلى التشبيك على مستوى أكبر وعابر للأقطار، مثلا على مستوى شمال افريقيا، كما دعا الصفوة التي تقود المجتمع المدني إلى التفكير في القرن بأكمله بمنطق المفكر الاستراتيجي وليس بمنطق السياسي، حتى يعود لأمتنا دور القيادة كما كنا نقود العالم، وهذا يجب أن يكون من القضايا التي تبشر بها جمعيات المجتمع المدني وأن تكون حاضرة عندها باستمرار.
وبعد فترة المناقشة وردود الأستاذ المحاضر، تم تكريم المفكر “محمد طلابي” تقديراً له على تلبية الدعوة وتشريف المدينة بهذه المحاضرة الفكرية العميقة، وذلك بتسليمه شهادة تقديرية تسلمها من رئيسة الشبكة.
هذا، ويُشار إلى أن المحاضرة عرفت تغطية من قناة العيون مشكورة، كما لا يفوت الشبكة أن تشكر مكتب جهة كلميم وادنون على تعاونه ومنحه مقر الجهة لتنظيم المحاضرة.
*رشيد بعلات – الكاتب العام للشبكة
التدوينة محاضرة فكرية حول “جدلية الدولة والمجتمع المدني” بكلميم ظهرت أولاً على الخبر الصحراوي - أخبار الصحراء الان.
from الخبر الصحراوي – أخبار الصحراء الان http://ift.tt/1WeN8ow
via IFTTT
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق