في الوقت الراهن، يعتبر التغير المناخي واقعا ملموسا. فآثاره المحسوسة و المتوقعة تدفع كافة الفاعلين السياسيين والسوسيو-اقتصاديين إلى وضع استراتيجيات/ خطط التكيف من أجل مواجهتها. ولكونه ناتج عن ارتفاع انبعاث الغازات الدفيئة. فالاحتباس الحراري أصبح قضية شاملة تستلزم ردا عالميا. و يعاني المغرب بشدة من التغير المناخي، فهو يقع في إحدى أكثر المناطق جفافا في العالم، والتي ستعرف أكثر فأكثر تواترا للظواهر الحادة (الجفاف والفيضانات،…)، تدهورا للنظم الإيكولوجية، ندرة في موارد المياه وتطورا لأمراض جديدة و هجرات سكانية.
في المحصلة يتعين إدماج التغير المناخي في الاستراتيجيات القطاعية، بالإضافة إلى ضمان تناسقها (التقائية التدخلات) وضبط أفقها الزمني، مع الأخذ بعين الاعتبار تأثير هذه الظاهرة على المدى البعيد.
جهة كلميم واد نون تندرج ضمن المناطق المناخية المغربية التي عرفت و ستعرف تغييرات مناخية بمآلات تارة ايجابية وتارة أخرى سلبية. و السلبي منها يبقى السمة الأبرز ضمن مجمل الانعكاسات السوسيو اقتصادية و المجالية بوضعيات مناخية شاذة و متطرفة. الخريطة أسفله توضح موقع جهة كلميم واد نون ضمن التقطيع الترابي الجهوي الجديد للمغرب.
1- المخاطر المناخية: النشأة و الانعكاسات
التشخيص العام لجملة المخاطر المناخية بجهة كلميم واد نون يحيلنا إلى خمسة أنواع بارزة. نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
*المخاطر الهيدرولوجية؛
*مخاطر مرتبطة بحرائق الواحات؛
*مخاطر غزو الجراد؛
*مخاطر زحف الرمال ( فعل آلية التصحر)؛
*مخاطر مرتبطة بالحشرة القرمزية المضرة بنبات الصبار.
أ- المخاطر الهيدرولوجية
تشمل المخاطر الهيدرولوجية كل من الساكنة والبنيات التحتية والمنشآت العمرانية و المنظومات البيئية بتاثيرات ظاهريا سلبية في معظم الأحيان عبر خسائر مهمة كالزيادة في نفقات الدولة و تدمير وانهيار لمنشآت وبنيات تحتية و إتلاف لنظم بيئية و ايكولوجية عديدة.مما يستلزم معه التدخل الاستعجالي و الأفقي لتعديل و امتصاص انعكاسات الكارثة على الساكنة والبنيات التحتية والمنشآت العمرانية و المنظومات البيئية.
جهة كلميم واد نون أضحت في السنوات الأخيرة مهددة بدرجات متقدمة من الخطر الهيدرولوجي و يبقى إقليم كلميم الحالة الأبرز ضمن الأقاليم الأربعة المشكلة لها.والخريطة أسفله توضح درجة التهديد بالخطر الهيدرولوجي بالتراب الإقليمي لكلميم.
من خلال دراسة لحالة معبرة للوضعية المناخية المتطرفة، نستشف على كون جهة كلميم واد نون و خاصة إقليم كلميم عرفت ابتداءا من 2014.11.21 إلى 2014.11.30 وضعية مناخية متطرفة نتجت عنها فيضانات و امتطاحات مدمرة بفعل وضعيات مناخية استثنائية.هذه الحالة غير العادية تؤكدها خرائط الأجواء العليا و الصور الجوية، حيث يلاحظ تدفق الكتل الهوائية الباردة نحو وسط و جنوب المغرب على شكل مقعر و هي وضعية شاذة ناتجة عن خلل في نظام الدينامية الهوائية و نادرا ما تصل هذه الكتل الهوائية الباردة إلى هذه المستويات الدنيا من خطوط العرض.
من خلال فهم الآليات المناخية المتحكمة في مخاطر الفيضانات بالجهة، سنحاول في مرحلة لاحقة التدقيق في العوامل التي تؤدي إلى استفحال ظاهرة المخاطر الهيدرولوجية منها ما هو طبيعي ذاتي و أخرى بشرية مكتسبة خاضعة لتدخلات منمطة عمودية أفقها المجالي مرهون بتوازنات ميكروسياسية و تنموية و ليس بالضرورة ماكرو تنموية تضبط المعين الجهوي و المحلي لمقاربات متضامنة و مواطنة سنوردها في شق النقاش حول فعل الحكامة الترابية لدرء المخاطر المناخية بجهة كلميم واد نون.
و من جملة العوامل الطبيعية:
وضعية مناخية شاذة سالفة الذكر؛
وضعية صخارية ضعيفة الاستجابة و النفاذية؛
تموقع مجالي- تضاريسي لمناطق التعمير بسافلة الأحواض المائية ونطاقات الدير؛
شبكة هيدروغرافية كثيفة، انحدرات قوية و غطاء نباتي متدهور.
أما بالنسبة للآليات البشرية المتحكمة في اندلاع خطر الفيضانات بالأوساط الحضرية و القروية بإقليم كلميم نوردها كالآتي:
*توسع عمراني في مناطق الخطر الهيدرولوجي؛
*إحداث تغييرات مجالية في الشبكة المائية كنتيجة حتمية للطلب المتزايد على السكن وبرمجة المشاريع السوسيواقتصادية؛
- *إشكالية العقار و دوره في الرفع من جودة الإطار المبني؛
- *التطهير الصلب و دوره في عرقلة السلوك الهيدرولوجي للأودية؛
- *التطهير السائل و مشكل الاختناق؛
- *ممارسات حضرية عاكسة للخطر مرتبطة بالفاعل المؤسساتي و الساكنة الهشة.
ب- مخاطر مرتبطة بحرائق الواحات
- تعمل آلية ارتفاع درجة الحرارة و توالي عقود من الجفاف (الجفاف المناخــي، الجفاف الهيدرولوجي، لجفاف الفلاحي) على دينامية خطر حرائق الواحات. فضلا عن ممارسات الساكنة الناتجة عن استعانة الفلاحين بالنيران لتنقية أراضيهم بين الأشجار لفلاحتها وتحرير المسالك الطرقية. حيث يعتبر البعض هذه العملية ضرورية لحياة النخلة لضمان بقائها مثمرة.
- حيث سجلت حالة 31 مارس 2011 بواحة تغمرت بالجماعة الترابية أسرير، حيث دمر حوالي 100 نخلة لمدة زمنية دامت 3 ساعات ونصف(من 18:30 مساءا إلى 21.21 مساءا) و 30 نخلة (حالة 2016.10.14).
ت- مخاطر غزو الجراد؛
- يؤدي تهاطل الأمطار الغزيرة و الرعدية في غشت و شتنبر ثم نهاية فصل الخريف إلى التسبب في إحداث طفرة هائلة في تزايد الجراد الصحراوي الجوال بعد فترة فصلية حارة.حيث يوفر المطر تربة رطبة لوضع بويضات الجراد. وتنخفض أعداد الجراد خلال فترات الجفاف، فغالباً ما يتبع وقوع الفيضانات والأعاصير حالاتُ تفشي للجراد. وعدم التصدي و الإنذار المبكر به يمكن أن يفضي إلى اجتياح وبائي.
ث- مخاطر زحف الرمال ( فعل آلية التصحر)
يؤدي قلة الغطاء النباتي وضعف تماسك بنيات التربة، ووجود طاقة هائلة لإنتاج الرمال.علاوة على، القطع الجائر من طرف الساكنة (التفحيم)، والرعي المفرط الذي يقلل من فرص إنبات البذور ونمو الشجيرات (انتشار بعض الأمراض والطفيليات).
ج- مخاطر مرتبطة بالحشرة القرمزية المضرة بنبات الصبار
- تتغدى هذه الحشرة على النباتات الرطبة و تأخذ اسمها من لونها. تنتشر بالنطاقات الاستوائية وشبه الاستوائية (أمريكا الجنوبية و المكسيك). وتخترق الصبار من خلال فمها الذي يشبه المنقار وتتغذى على عصائر الصبار. بعد التزاوج تلد صغيرة الحوريات.هذه الحوريات تفرز شمعية بيضاء على أجسادها للحماية من فقدان الماء والحرارة المفرطة.
2- التحديات الكبرى
أ-على مستوى المخاطر الهيدرولوجية
– استرسال المخاطر الهيدرولوجية في العشرية الأخيرة و المقبلة سيصبح قاعدة مناخية بالأقاليم الجنوبية للمغرب بسبب نشوء دورة هوائية باردة جديدة تتوغل جنوبا لتحدث تساقطات استثنائية و عاصفية؛
– الانتقال من مقاربة رصد المعطيات التقنية و المجالية إلى وضع استراتيجيات الملاءمة؛
– استفحال و تزايد الخسائر البشرية و البنيات التحتية عند كل خطر هيدرولوجي؛
-الرفع من كلفة الهشاشة المجالية المرتبطة بالساكنة والنطاقات المهددة بالمخاطر الهيدرولوجية؛
– تعقد و تشتت مساطر و آليات التدخل أثناء وقوع الكارثة.
ب- على مستوى مخاطر حرائق الواحات
– ممارسات عشوائية لساكنة الواحات متمثلة في الإحراق بهدف الاستغلال؛
– ندرة الموارد المائية واستعمالها بشكل غير عقلاني؛
– ارتفاع درجة الحرارة بالوسط الواحي لا يساعد الفرشات المائية من فرصة الاستفادة من الحمولة المائية للتساقطات، بفعل سرعة وقوة ظاهرة التبخر التي تعرف ارتفاعا على طول السنة مع تفاوتات بين فصل وأخر؛
– التحول من نشاط اقتصادي معيشي(غراسة النخيل و الخضراوت، تربية ماشية….) إلى احتضان هذه المجالات لأنشطة اقتصادية جديدة لا تتناغم والمنظومة البيئية الهشة (استثمارات فلاحية تراهن على التسويق الخارجي من قبيل البطيخ الأحمر، الموز، الطماطم… واحة تغمرت-أسرير نموذجا)؛
– الرهان على النشاط السياحي كخيار اقتصادي(الإفراط في استهلاك الماء و تلويث الفرشة السطحية خاصة التي تشكل مورد السقي عند الفلاحين المحليين… واحة تغمرت-أسرير نموذجا)؛
– مخاطر الفيضانات التي تؤدي إلى انجراف التربات و تدهورها عضويا.
ت- على مستوى مخاطر غزو الجراد
- – تساقطات غير اعتيادية للأمطار(ظواهر جوية متطرفة)؛
في شهر غشت، شتنبر و أكتوبر تؤدي إلى تكاثر الجراد الصحراوي ( موسم التكاثر الصيفي والخريفي)؛
- – ضمان مواكبة آليات الرصد الدقيق(عمليات مسح ميدانية على نحو منتظم،…) خلال فترة التشكل لمنع هذه الحشرات من تكوين أسراب مدمرة؛
- – تهديد للأمن الغذائي وسبل المعيشة الريفية(النظم الايكولوجية،الواحات،…..)؛
- – تعميم مراكز التدخل الإقليمية لمكافحة الجراد خاصة بإقليمي أسا-الزاك و طانطان(البوابة الجنوبية الشرقية لدخول الجراد الصحراوي)؛
- – ضعف التنسيق بين دول المنشأ للجراد الصحراوي الجوال و المستقبلة له؛
– احترام معايير السلامة البيئية خلال استخدام تقنيات الرش، بحيث لا تؤثر على الكائنات الأخرى، من خلال تبني مبيدات فطرية صديقة للبيئة يتم استخدامها في مكافحة الجراد الصحراوي.
ج- على مستوى مخاطر زحف الرمال
– تدهور المحيط الحيوي و تناقص المساحة الصالحة للزراعة بالواحات؛
– حماية المنشآت السوسيو- اقتصادية و الساكنة الهشة من الزحف المتواصل لظاهرة الترمل؛
– توسيع إعادة التشكيلات النباتية بالنطاقات المهددة بالترمل بأنواع متأقلمة مع البيئة الجافة وشبه الجافة؛
– تحدي إدماج ظاهرة الترمل في المخططات الإستراتيجية للمتدخلين الترابيين(الجهة، المجالس الإقليمية، الجماعات الترابية)، وتعزيز التأقلم بوصفه آلية إجرائية للتخفيف من آثار التغير المناخي على حياة الساكنة المحلية التي تعاني من الهشاشة.
3- آليات التكيف و التخفيف
آليات عملية وقائية مجالية:
– نشر وتبادل المعطيات حول مخاطر الفيضانات بين مختلف المصالح الخارجية المحلية، الإقليمية و الجهوية؛
– وضع مخطط الحماية الجهوية من الفيضانات؛
– إعادة النظر في منهجية اشتغال اللجان الإقليمية للوقاية من الفيضانات و لجان اليقظة قصد تحقيق المزيد من النجاعة و الفعالية؛
– بناء القنوات الخاصة بتصريف المياه المطرية على مستوى الأودية و الشعبات لحماية الأحياء المهددة بخطر الفيضانات؛
– تعزيز و تعميم سياسة السدود الكبرى وبناء السدود التلية؛
– إعادة النظر في المنشات الفنية الحضرية و القروية، لكونها تساهم في عرقلة الجريان العادي للأودية؛-
– هيكلة قطاع التطهير السائل بالتجمعات الحضرية والقروية(تصريف المياه المطرية)، وذلك باعتماد نظام التصريف المزدوج للاستفادة من المياه المتجمعة وإعادة استعمالها في سقي المساحات الخضراء؛
– إعداد ميثاق للتعمير و التنمية المستدامة للمجالات الواحية بكل من إقليم كلميم و أسا الزاك؛
– إحداث عدد من الأحزمة الخضراء حول التجمعات الحضرية و القروية لحمايتها من ظاهرة زحف الرمال،
- – إنشاء محميات طبيعية لحماية عينات من المنظومات البيئية الصحراوية وتدبيرها المستدام في مواجهة زحف الرمال؛
– التدخل الأفقي عبر مشاريع التثبيت الميكانيكي والبيولوجي للرمال؛
– تكوين مخزون استراتيجي من المبيدات على الصعيد الجهوي للتصدي لظاهرة غزو الجراد؛
– إنشاء صندوق خاص لتعويض الفلاحين عن خسائر الجراد؛
– الاستعانة بالسجلات التاريخية وبيانات الأرصاد الجوية وبيانات الاستشعار عن بُعْد لاستباق و التوقع بأهم مناطق تكاثر الجراد.
آليات مؤسساتية و تشريعية:
– مراجعة الترسانة القانونية المتعلقة بالتعمير ضمن مدونة تعمير محينة و جديدة؛
– إ عداد خريطة المناطق المؤهلة للتعمير للتجمعات الحضرية و القروية بالجهة؛
– ضرورة إحداث الوكالة الوطنية و مندوبيات جهوية لتدبير الأخطار البيئية؛
– تعزيز أجراة مقتضيات قانون الماء الجديد 15-36 في الشق المتعلق بالحماية من الفيضانات؛
– إ رساء ترسانة قانونية موحدة مؤطرة لدينامية و هشاشة الواحات في علاقتها بالتغيرات المناخية الطارئة.
4- منهجية و مقاربة الحكامة الترابية
على المستوي الجهوي
– خلق مركز جهوي لتدبير المخاطر المناخية بالجهة؛
– تعزيز دور اليقظة الترابية لتجاوز الاكراهات المناخية التي تطال التجمعات البشرية و المنشات الفنية بالجهة؛
– إعداد مخطط مناخي جهوي يتعلق بالتغيرات المناخية والوقاية من المخاطر والحد من آثار الكوارث الطبيعية ؛
– إعداد مخطط جهوي لمكافحة الإحترار المناخي لجهة كلميم-واد نون
– إدماج البعد البيئي وتدبير الانعكاسات السلبية للتغيرات المناخية في برنامج التنمية الجهوية والتصميم الجهوي لإعداد التراب، وذلك في إطار مقاربة تشاركية لكافة الفاعلين الاجتماعيين و الاقتصاديين و المؤسساتيين؛
– إ رساء لجنة جهوية للمناخ مكونة من جميع المتدخلين الجهويين؛
– إنجاز دراسة تهم تقييم المخاطر المناخية على مستوى الجهة؛
– تخصيص ميزانية جهوية للتدخل أثناء وقوع الخطر المناخي؛
– تعزيز استفادة الجهة من صندوق التضامن الخاص بمكافحة مخلفات الوقائع الكارثية الناتجة عن المخاطر الطبيعية غير المتوقعة.
على المستوي المحلي
-تعزيزالاستفادة من منتوج “تأمين ضد المخاطر المناخية المتعددة”(تعاقد بين الدولة والتعاضدية الفلاحية )؛MAMDA المغربية للتأمين
التدوينة المخاطر المناخية بجهة كلميم وادنون:التحديات،آليات التكيف والحكامة الترابية ظهرت أولاً على الخبر الصحراوي - أخبار الصحراء الان.
from الخبر الصحراوي – أخبار الصحراء الان http://ift.tt/2eR2Wvr
via
IFTTT