«رأس المال جبان» مقولة لطالما ارتبطت بمخاوف رجال الأعمال من المغامرة باستثماراتهم في بعض المناطق، ومنها الأقاليم الجنوبية للمملكة، بشكل يجعل الدولة المستثمر والمشغل الأول من خلال القطاعات الحكومية والمقاولات والشركات العمومية.
الدراسة التي تم القيام بها على هذا المستوى، في ارتباط مع النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية، تشير إلى أن عقلية الريع هي التي تتحكم في اقتصاد هذه الأقاليم مع نشاط تجاري ضعيف. فهناك ضعف كبير في إنشاء المقاولات، خصوصا بسبب انعدام تحفيزات لجذب القطاع الخاص، وضعف المبادرة وغياب سياسة تمويل تشجع على خلق المقاولات، سيما على مستوى المراحل الأولى من حياتها.
ونظرا لهذا الوضع، فقد ارتهن بشكل كبير اقتصاد المنطقة بالدولة، وتساهم الدولة في الناتج الداخلي الخام للأقاليم الجنوبية بنسبة تتجاوز 54 في المائة، حيث تقدر ميزانية الاستثمارات العمومية في الأقاليم الجنوبية للمملكة بخمسة مليارات درهم، بما مقداره 5500 درهم للفرد، أي ما يفوق نسبة 31 في المائة مقارنة مع المعدل الوطني الذي يشكل حوالي 4200 درهم.
ورغم الإجراءات التحفيزية العديدة التي يستفيد منها رجال الأعمال بالأقاليم الجنوبية، فإن ذلك لم ينجح في جذب المستثمرين الخواص سواء المغاربة أو الأجانب. وعليه، يظل الاستثمار الخاص ضعيفا ولا يتجاوز حوالي ثلاثة أو أربعة مليارات درهم، ويهم بشكل أساسي المستثمرين المحليين، في حين لا تتعدى نسبة المستثمرين من باقي مناطق المغرب حوالي 30 في المائة، و10 في المائة من الأجانب، وفق ما كشف عنه المجلس الاقتصادي.
وتشير الإحصائيات إلى أن النسيج الاقتصادي للأقاليم الجنوبية يتكون من 42 ألف مقاولة، 29 في المائة منها عبارة عن مقاولات صغرى ومتوسطة، التي تساهم بنسبة 70 في المائة من الناتج الداخلي الخام وتوفر 55 في المائة من مناصب الشغل. أما النسبة المتبقية من المقاولات، والتي تشكل الحيز الأكبر بما يعادل 70 في المائة، فهي عبارة عن مقاولات صغيرة جدا تنشط غالبيتها في القطاع غير المهيكل، وتخلق 38 في المائة من الشغل.
بيد أن المعطى المثير هو أن نسبة تواجد المقاولات الكبرى في هذا المناطق لا تتعدى 1 في المائة، وهو ما يفرض على المستثمرين الكبار ضرورة التحرك لإعطاء دفعة قوية للاستثمار الخاص في هذه المناطق. تحرك بدأت بعض ملامحه تظهر من خلال الزيارة التي قام بها عدد من رجال الأعمال تحت يافطة الاتحاد العام لمقاولات المغرب إلى مدينة العيون، والتي أُعلن فيها عن إطلاق 60 مشروعا استثماريا بقيمة 4.2 مليار درهم، وهو ما من شأنه خلق 10 آلاف منصب عمل مباشر.
تجاوز هذه الإشكاليات دفع المجلس الاقتصادي إلى طرح مجموعة من التوصيات في إطار النموذج التنموي، ومنها الإبقاء على نسب الضريبة على الشركات والضريبة على الدخل عند حدود مشجعة بالقياس إلى النسب الوطنية وإنشاء صندوق للتحفيز.
ويرى رحال بوبريك، مدير مركز الدراسات الصحراوية في جامعة محمد الخامس في الرباط، ضرورة الإنهاء مع الإعفاء الضريبي الموجود في الأقاليم الجنوبية، على اعتبار أن هناك عددا من المقاولات التي يوجد مقرها الاجتماعي في مدينة العيون بينما تتم عملية الإنتاج في مدينة الدار البيضاء، وذلك قصد الاستفادة من هذا الامتياز. وقال في هذا السياق: «يجب القطع مع الإعفاء الضريبي واقتصاد الريع، والاستثمار في التكوين وخلق فرص الشغل الحقيقية».
وأوضح بوبريك، في حديثه لـ«المساء»، أن تشجيع الاستثمارات يحتاج إلى إرادة الدولة وإرادة الفاعل الاقتصادي، مع تنقية مناخ الاستثمارات في المناطق الجنوبية، وأن يخضع لمنطق النزاهة. وأكد أن «الرأسمال قد يكون جبانا إذا لم يكن هناك مناخ خال من الرشوة والشروط غير التنافسية التي تعاني منها أيضا باقي مناطق المغرب».
وذهب المتحدث ذاته إلى أن الرأسمال الخاص يستثمر في المناطق التي يمكن أن يحقق فيها أرباحا، وهو معطى ليس موجودا فقط في الصحراء بل أيضا في المناطق الشرقية وغيرها حيث يتوجه المستثمرون نحو الأقطاب الاقتصادية الكبرى كالدار البيضاء وطنجة وأكادير».
ووقف مدير مركز الدراسات الصحراوية عند القطاع الذي يستقطب أكبر نسبة من الاستثمارات في الأقاليم الجنوبية، وهو قطاع الصيد البحري. ويقول في هذا الإطار: «هذه المنطقة غنية على مستوى الثروات السمكية، لكن يجب تشجيع المقاولات الصغرى للصيد البحري وتوفير التكوين للجمعيات والتعاونيات في مجال التسويق وتثمين الرأسمال البشري».
واعتبر بوبريك أنه لكون المنطقة كانت مستعمرة إسبانية، فقد عرفت تأخرا كبيرا على مستوى النمو الاقتصادي والحضاري وتأهيل العنصر البشري من خلال التعليم والتكوين ومختلف القطاعات، إذ أنه عند استرجاعها لم يكن عدد الجامعيين يتجاوز حوالي 50 جامعيا.
وأشار إلى أن «المناطق الجنوبية كانت تعاني من ضعف في البنيات التحتية لربط المنطقة بالأقطاب الاقتصادية القريبة، ومنها أكادير، فهذه الأقاليم تتوفر على موارد طبيعية على رأسها السمك والفوسفاط، بيد أن البنيات الاقتصادية التي ستخلق الثروة وفرص العمل لم تكن متوفرة».
وأضاف قائلا: «خلال أربعين سنة بعد المسيرة الخضراء، تم توفير البنيات التحتية ودخول القطاعات الخدماتية. كما أن المناطق التي تعرف نقصا على مستوى الموارد الطبيعية عرفت خلق أنماط للاقتصاد التضامني، إلا أن الدولة ظلت هي الفاعل الرئيس الذي يخلق فرص الشغل ويدعم الاقتصاد المحلي».
عن المساء
التدوينة هل ينهي المستثمرون الكبار “جُبن” الرأسمال الخاص في الأقاليم الجنوبية؟ ظهرت أولاً على الخبر الصحراوي.
from الخبر الصحراوي http://ift.tt/1LlwGaZ
via IFTTT
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق