الخبر الصحراوي – أخبار الصحراء الان

الثلاثاء، 21 يوليو 2015

saharamedia

تعليقا على نص من رسالة الغفران قال كيليطو نعلم أن آدم كان يتكلم اللغة العربية في الجنة …(و) عندما هبط من الجنة نسي العربية فاخذ يتكلم السريانية ، وهكذا ارتبط عنده تغيير المكان بفقدان لغة واكتساب أخرى ، (ومنه) ندرك أن نسيان اللغة الأصلية يعتبر عقابا ” ص 9. لقد كانت الفرنسية لغة الانفصال عن الهوية : ربما لأول مرة في تاريخ المغرب ، تلقى الأطفال لغة لا يعرفها آباؤهم ” ص 11.
يتعمق ويشتد العقاب عندما تتغير المكانة وليس المكان ، فتحتل لغة موليير موقع الصدارة بالفعل لا بالقانون الأسمى ، ثم تتقهقر قليلا ليُفسح المجال في النص الدستوري الأخير للغة المازيغية كي تأخذ موقعها جنبا الى جنب مع العربية .
صحيح ، ان المشرع قد رام تصحيح الوضع اللغوي وتعديل الصورة بالاعتراف بلغة الأم لدى قطاع من المغاربة ، لكن قطاعا آخر بقي يستشعر الإقصاء، الأمر الذي يملي الحاجة الماسة إلى إرساء سياسة لغوية واضحة المعالم .ذلك أن اللغة جزء ماهية الهوية والثقافة بمعناها الشامل، والثقافة وعاء للقيم . بل لا توجد ثقافة بدون منظومة قيم كما قال الدكتور المهدي المنجرة في كتابه قيمة القيم ص 173 ، بل قال : لا أعتقد بوجود ثقافة كونية منسجمة ، لانها ستكون نهاية الكون . ما هو أكثر كونية فيما يخص الثقافة ، هو التنوع ، وأولا التنوع داخل نفس الثقافة . لا توجد ثقافة مغربية موحدة ولا ثقافة عربية موحدة ولا ثقافة اسلامية موحدة . اننا نشعر بمقصد الثقافة عند مستوى الفرد ، ويقاس هذا المقصد بدرجة الحرية التي يكسبها ويتمتع بها ….من اشباع جميع الحاجيات الاقتصادية والاجتماعية الأساسية الى التنوير الثقافي الفني والروحي ” ص 171-172.
اذن ، فالحديث عن اشباع الحاجيات المادية والروحية ينقلنا الى قلب القيم ، لأن تلبية هذه المتطلبات تقودنا الى التساؤل عن قيم العدل والمساواة والحرية ، أو تقودنا الى مقاصد الشريعة كما أورد الدكتور طه عبد الرحمان في محاضرته الجميلة ” تعددية القيم : ما مداها ؟ ما حدودها ص 11- 12؟ حيث قال : ” تفيد القيمة المعنى الخلقي الذي يستحق أن يتطلع اليه المرء بكليته ويجتهد في الاتيان بأفعاله على مقتضاه ,,,وبناء على هذا التحديد الفلسفي الاجمالي لكلمة قيمة ، يجوز ان نستعمل لفظين يسدان مسدها ، احدهما اختص به الفلاسفة ، وهو لفظ المثال أو قل المثال الاعلى ، ونذكر من المثل التي اشتغل بها هؤلاء قديما : الخير والحق والجمال ، ومن تلك التي يشتغلون بها حديثا : الحرية والمساواة والعدل ، أما اللفظ الثاني فقد اختص به علماء الأصول ، وهو لفظ المصلحة التي اجمعوا على دلالة النصوص الشرعية عليها الخمسة الآتية وهي : الدين ، العقل ، النفس (والمراد بالنفس هنا الحياة) والمال والعرض “.
بيد أن هذه المعاني الفلسفية والأصولية للقيم ذات المنحى الاخلاقي الصرف ن ينبغي الا تغيب عنا أن القيم ” ذات طبيعة اجتماعية – ثقافية أي أن حياتها لا تخرج عن اطار المجال الاجتماعي الثقافي للفرد ، (إذ) تقوم التنشئة الاجتماعية بدور أساسي في تمرير واستدخال القيم للافراد في المجتمع (…) كما بينته مجموعة من الدراسات الاجتماعية والانثروبولوجية التي بحثت اهمية القيم في تكوين الشخصية (…وفي بناء النظم التربوية)( و) اشتقاق اهدافها العامة والخاصة لتكوين نموذج الانسان المتوخى من فعل التربية ) على النحو الذي سبر اغواره محمد اولحاج في كتابه القيم ” بيداغوجيا القيم ” ، حيث بسط في فصله الأخير الموسوم ب :” القيم في المنظومة التربوية تصورا لادماج القيم في البرامج التربوية المغربية ومناهج التربية على حقوق الانسان ، مقدما نماذج من الجذاذات البيداغوجية لادماج القيم في مادة التربية الوطنية والجغرافيا والتربية الاسلامية . و لن استفيض في هذه الجوانب المبسوطة في الكتاب ومرجعياته المتنوعة من ميثاق وطني للتربية والتكوين وكتاب أبيض و هلم جرا ، وإنما سأعوج على جذع اصيل من جذوع الهوية المغربية ممثلا في الثقافة الحسانية التي يرام استدماجها في المنظومة التربوية ، فأية مقاربة بيداغوجية يمكن تأثيلها لبلوغ هذا المرام ،وما موقع القيم في تلك المقاربة ؟

تسعى المقاربة البيداغوجية للثقافة الحسانية بمضامينها القيمية و أبعادها المعرفية إلى ربط الناشئة بتراث الأجداد الأصيل وما يحمله من آداب وتقاليد وقواعد عمل وسلوك ، وذلك من أجل تحقيق تواصل معرفي ووجداني يعزز قيم احترام التنوع الثقافي و يُمتّن عرى التماسك الاجتماعي ويحدّ من آثار الاغتراب الثقافي والقيمي الناشئ عن مدّ العولمة الكاسح .
وتستلهم المقاربة البيداغوجية المرجوة للثقافة الحسانية المشبعة بالقيم روحَ الدستور المعدل الداعي إلى تعزيز الشعور بالانتماء الوطني القائم على تنوع مشارب الهوية الوطنية ، كما تستحضر مضامين اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي الصادرة عن اليونسكو 2003 الرامية إلى تنمية إحساس الجماعات أو المجموعات بهويتها و الشعور باستمراريتها ، وتعزيز احترام التنوع الثقافي .
وفي تقديري ، فان إدماج القيم المستبطنة في الخطاب الحساني في المقررات الدراسية يسعف في تنشيط التفاعل الوجداني للمتعلمين مع تلك القيم النابعة من تراثهم المتداول في بيوتهم ، الأمر الذي يلغي إحساسهم بالاغتراب بل الفُصام بين معارف الفصل و تنشئة الأسرة، و ينمّي حاسة الوصْل بينهما . ومن الأهداف العامة المتوخاة في هذا الصدد :
*تمكين المتعلمين من التعرف على تراثهم ، وإقْدارهم على استخلاص حِِكم الأجداد المبثوثة في الأمثال والأحاجي والألغاز والحكايات .
*إكساب المتعلمين مهارات البحث والجمع والتوثيق والاستقصاء و الإحصاء ، و تشجيعهم على تأسيس بنوك معلومات ومعارف تراثية وتربوية داخل مؤسساتهم ( عمل المجموعات يحدث تراكما كميا مأمولا ، فقد كلفت مدرسة للتعليم الخاص مجموعات من تلاميذ السنة السادسة ابتدائي بجمع وإحضار حكايات من التراثين الحساني والامازيغي) ، وهي خبرة أولية قابلة للتطوير والدعم .
* توجيه المتعلمين إلى استنباط واستكشاف أثر ثقافتهم الشعبية في الوجدان الوطني ( تيمة حب الأوطان في الشعر الحساني والمثل الشعبي مثلا ) ومدى تأثيرها في السلوك الفردي والجماعي لإنسان المنطقة ( الكرم ، النبل ، الشجاعة، الصبر والجلَد ….)
* تنمية مهارات المتعلمين وتمرينهم على الكتابة الاثرائية ( نصوص حاملة للقيم) ، وإكسابهم مهارات متصلة بالجماليات البصرية من أجل الارتقاء بالذائقة الجمالية وتحقيق الكفايات الفنية ( نقش الأمثال والحكم الشعبية ذات الرسائل التربوية و الإنسانية مثلا على القماش و المصوغات والمشغولات الجلدية ).
* تنمية مهارات السرد و الحكي للارتقاء بكفايات الإلقاء وحسن الخطاب ( تقنيات سرد الحكايات وضرب الأمثال واستدماجها ضمن نصوص مسرحية ,,,).
وباجمال ، فان التفكير في مقاربة ديداكتيكية لدرس التربية على القيم في الثقافة الشعبية الحسانية يقتضي تكوين أطر كفؤة وإصدار كتب تتضمن مجزوءات إثرائية في الثقافة الحسانية تمتح من مبادئ ونظريات التربية الحديثة وتحول المادة التراثية من مادة ” عامية” سائغة للتداول الشعبي إلى مادة عالمة قابلة للنقل الديداكتيكي من المدرس إلى المتمدرسين لتحقيق كفايات نوعية مطلوبة قابلة لقياس مدى تحققها.
و يحتاج تنزيل مشروع إدماج الثقافة الحسانية في المناهج و المقررات المدرسية إلى تكامل رؤى خبراء التربية- و خاصة المتخصصون في طرق و مناهج التدريس ( الديداكتيك و البيداغوجيا)- و جهود الباحثين في الثقافة الحسانية ، و ما كراسة ” من أجل ادماج الثقافة الحسانية في المقررات المدرسية ” سوى لبنة من لبنات خدمة هذا المشروع الهام المتناغم مع المفاهيم الكونية للحقوق الثقافية و مقتضيات الميثاق الوطني للتربية والتكوين . وقد ساهمتُ في بناء مادة هذه الكراسة مع ثلة من الإخوة الباحثين بدراسة موسومة ب : التربية على القيم من خلال الأمثال الحسانية ، و عمادها استقراء طائفة من الأمثال الحسانية الحاملة للقيم و الناقلة لها من اصل لفرع ( اللبن جبَّاد ، كلّْها يرجع لصلُو) ومن جيل لجيل ( أراي كبيرك لا تعاندو ،اللي بلا كبير بلا تدبير، اشوف الشيباني لمتمرفك لْماشاف اليشير الواكف).
وتحاشيا للإطناب والإسهاب في إيراد الأمثال التي شملتها الدراسة ، أكتفي بالإشارة إلى الآتي :
– * إن الهدف من دراسة الأمثال الحسَّانية ذات المغزى القيمي والأخلاقي لا تراد لذاتها ، وإنما تهدف إلى نقل تلك القيم للمتعلمين، وقد يستعين مهندسو الكتب المدرسية في نقل تلك القيم بصور مدعمة ومعززة للرسائل القيمية والأخلاقية ، خاصة وأننا أصبحنا نرى ونشاهد أكثر مما نقرأ ، وقد بينت تجربة إرفاق النص التراثي بالصور عن دور فعال في تسهيل التواصل مع غير الناطقين بالحسانية من الشعوب العربية ، فحين نشرتُ مثلا في مجلة تراث الإمارات دراسة تحت عنوان : ” الإبل في الثقافة الشعبية : الأمثال الحسانية نموذجا” ، لم احتج لشرح معنى الناقة الزركة ، بل اكتفيت بإرفاق صورة توضح زرقة إحدى عينيها دون الأخرى.
– * إن تجربة تدريس مادة الشأن المحلي على علاّتها ومحدوديتها أظهرت مدى تجاوب المتعلمين مع مادة نابعة من محيطهم الاجتماعي و منسجمة مع لغة تداولهم اليومي .
وبوسعنا ان نورد ههنا مثالين هامين يعكسان أهمية تمرير القيم بسلالة من خلال الأمثال الحسانية
عنوان الدرس : المعرفة
نص انطلاق فلسفي : قال المهدي المنجرة : ” لقد كان بيكون يقول : ” المعرفة هي القوة ، لكن المهم في المعرفة هو التفكير الذي سبقه…ذلك ان المعرفة وسيلة ، لكن التفكير غاية”
” انده على لبل واعرف يمها ”
“اللي ما عرفك خسرك ”
” الي معروف لباسو ما يهم عراه ط
لا تكتل الين تسول ”
اللي بلسانو ما يذهب
يكتل عرافنا
التراب ما يكتلها يكون عرافها
تندغة متعارفَ

د. بوزيد الغلى

 

التدوينة أية مقاربة لادماج قيم التراث الشعبي ” الحساني” في المناهج المدرسية؟ ظهرت أولاً على الخبر الصحراوي.



from الخبر الصحراوي http://ift.tt/1MEXEgP
via IFTTT

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق