أثار اهتمامي منذ فترة غير بعيدة اللجوء إلى التعبير الساخر عبر الكاريكاتور في الإعلام الالكتروني ومواقع التواصل الاجتماعي ،وخاصة فايسبوك، و تحتاج دراسة الموضوع إلى بَحاثة نبّاشة يستقصي رسوم الكاريكاتور الساخرة قبل أن يبتلعها العدم . فكمُّ الصور و الرسوم الهائل المتداول داخل الشبكة ، يسمح بنسخ اللاحق للسابق الذي تلتهمه بالوعة العدم بتعبير د. فريد الزاهي.
ومن اللافت للانتباه بخصوص النزعات والاتجاهات العامة المجسدة للموقف من الانتخابات الوشيكة بالمغرب ، تشكل تيارين ينتصبان كالفسطاطين المتقابلين : تيار المشاركة وتيار المقاطعة ، أما الحياد فغير ذي موضوع .
و ليس سرّاً أن الاتجاه الداعي للمقاطعة أحوج إلى دعم موقفه و المرافعة عن رأيه السياسي من نظيره الحاثِّ على المشاركة ممثلا في وزارة الداخلية و السواد الأعظم من الأحزاب السياسية .
تقودنا نظرة فاحصة لبعض رسوم الكاريكاتور الداعمة لفكرة ” المقاطعة ” بوصفها شكلا حضاريا سلميا من أشكال ثقافة الاحتجاج السياسي إلى ملاحظة تبرير مقاطعتها بانعدام الشفافية ، كما يُظهر الرسم رفقته الذي تمتد فيه يد ” مصوت” مجهول الملامح الى صندوق اقتراع ظاهره إحكام الاغلاق (القفل) ،وباطنه الثقب الذي يسقط أظرفة أوراق التصويت في سلة المهملات . و الصورة ،من هذه الزاوية ، تحمل نقداً لاذعا لغياب الشفافية و انعدام الجدوى (سلة المهملات). (انظر الصورة في موقع “هوارة 44 على الرابط:
فضلا عن ذلك ، ينتهز أحد رسامي الكاريكاتور الدعوات الرسمية الحاضّة على التصويت بكثافة ، كي يبرز بمفهوم المخالفة أن الدعوة للتصويت يحركها الخوف من الفضيحة كما في الصورة التي نشرها موقع ” أحفير 24″ على الرابط http://ift.tt/1EjvnwV
أما فيما يختصّ تيار المشاركة ، فيمكن التمييز بين رسوم ناقدة للخصوم السياسيين و أخرى قادحة ساخرة من ظواهر ” فساد” تعرفها الانتخابات ، و يقرّ بها القاصي و الداني كاستعمال المال لشراء الذمم و نصب موائد “الإطعام في سبيل الانتخاب “…، و يمكن أن نقدم مثالين لهذه الرسوم الساخرة فيما يلي:
– نشرت شبكة رصد المغربية رسماً كاريكاتوريا ساخرا ، يظهر على الرابط الآتي : http://ift.tt/1fFzis9
تحيل الصورة على رجل يرتدي لباسا تقليديا لا تخطئه العين ( جلباب ونعل أصفر/بَلغة ) ،منتفخ البطن ، يحمل على رأسه قصعة مملوءة بألوان من الأطعمة تذكر بالكرم الزائد أيام الانتخابات (أيام المشمش) ، و قد كُتبت أعلى القصعة كلمة ترحيب كتلك التي تقابلنا في الحفلات و الولائم العائلية : (مرحبا بكم آجماعة ، ها البرنامج الانتخابي ديالي باقي سخون ). ويفهم من العبارة أن سخونة التنافس في الانتخابات لا تتصل بالبرامج وإنما ترتبط بقصع الطعام ، و نعلم من ثقافتنا أنه (إنما تقطع الرقاب المطامع ) ،وان من الناس من يمشي ” على بطنه “، كما تخبرنا الامثال الشعبية أن (الطعام فايت ،ماهُ بايت ) ، مما يعني أن وعود الانتخابات و رعودها و موائدها تنتهي يوم الاقتراع . و غير خاف ، أن النقد موجه أساساً إلى الاحزاب السياسية التي تفرق التزكيات وفق مقاس القدرة على الشراء و الاطعام ، ومن المفيد في هذا الصدد ، أن نذكر أن طبقة “الأعيان ” تتشكل ، ويعاد تشكيلها وفق هذا المقياس أحيانا كثيرة ، فالمرشح الذي لا يستطيع فتح ” صالات العرض” (العرْضات) تمويلا وانفاقاً ، لا موقع له داخل الدائرة إلا في نطاق محدود تمثله بعض الأحزاب التي لا تزال ترشح أشخاصا من غير طبقة ” أصحاب الحقيبة المالية (الشكارة التي يتأبطها المرشح في الرسم موضوع تحليلنا).
-في كاريكاتور منشور في إحدى المدونات :
كتب على رأس الصورة كلمة (ميركاتو) ،والمقصود في الغالب السوق الممتاز بالإسبانية Mercado ، و ارتباطاً بموضوع الصورة فان المراد قوله : إن الانتخابات سوق تجاري ، و يتعزز هذا الاستنتاج الذي يعكسه المستوى الأيقوني من الصورة بما يحمله المستوى اللغوي من رسائل سنعرض لها لاحقا بعد قراءة مكونات الرسم الساخر .
يتضمن الرسم شخصاً منتفخ البطن ، أصلع ، بارز الأنف ، ذو فمِ واسع يذكِّر المتلقي برواية ” أفواه واسعة” للراحل زفزاف المفعمة برسائل السخرية ، يضع ربطة عنق خضراء وجوارب رياضية خضراء أيضاً (مظهر مثير للسخرية فاضح للتناقض و المفارقة (لباس أنيق يكسو الجزء العلوي من الجسم مصحوب بأجزاء بدلة رياضية تغطي القدمين (الجوارب و الحذاء) ، و لا يخفى أن صاحب هذه الهيئة المثيرة سيدخل غمار اللعب ، ليس في الملعب ، وإنما في ” ميركادو ” الانتخابات ، ويعزز هذه ” المقصدية” الحوار الذي ينتمي يرتكز على معجم “السوق” : المساومة و المشاحّة و المماكسة ،ومنه :
-و تفاهم معايا ، خليني ناخذ من عندك هاذ اللاعيب نكمل به اللائحة.
يظهر الشخص الماثل أمامه مرتديا بدلة عصرية (ربطة عنق ، قميص أبيض ) ، وهو ممسك بلسان “اللاعب” موضوع المساومة أو لنقل الشخص المرغوب في انضمامه للائحة الانتخابية ، ذو البطن الكبير المنتفخ و اللسان الطويل مع أنف طويل و لحية تكسو الذقن ، ويد يمنى ترفع السبحة أو تُشهرها . من الطريف أن أذكر هنا ، أنني في إحدى الحملات السابقة في التسعينات استغربت من “تأثيث” مناضل يساري راديكالي صورته في الانتخابات بمسبحة لم تفارق أصابعه أيام الحملة . عندما نشعر بالخوف من الهزيمة ، نستغيث بالغيب ….
يجيب ” السمسار” عن طلب إنقاص الثمن قائلا :
“وغير صاوب شويّة ، راك غادي تشري لاعيب واعر ، شوف تبارك الله غير لسانو قدّاش .
يرمز طول اللسان في ثقافتنا الشعبية إلى الثرثرة ، الكلام الفارغ المنقطع الصلة بالفعل و العمل ، ومنه المثل الشعبي الحساني : (اللسان ما يجي على الكصعة) ، كما يحيل في المرجعية الاسلامية على أمارات المنافق (إذا حدث كذب …و إذا وعد أخلف) ، بينما يحيل البطن المنتفخ على أكل الحرام ، (من نبت لحمه من حرام ، فالنار أولى به…) ، (يأكل الفاجر بسبعة أمعاء ….) (لا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب…) ، .
بكلمة جامعة ، يتضمن الكاريكاتور إدانة صريحة لبيع و شراء الذمم ، غير أنه لا يشير بأية علامة قابلة للقراءة الدلالية إلى من يحمي سوق البيع ؟ سواء بصمتِه المطبق أو دعمه الضمني ، كما ينطوي على إدانة ضمنية لاستغلال الدين لأغراض سياسية ، (نشرت بعض الصحف خبر ترشيح فقيه /إمام مسجد ضمن لائحة معينة بمدينة كلميم ) ، فهل للشعوذة ضلع أيضاً في سوق الانتخابات ؟ .نعلم أن بعض الأسواق أعشاش للمشعوذين و السحرة ، لذك ، ننصح بدعاء السوق قبل أن ” يوضع القوق في الصندوق”.
التدوينة الكاريكاتور الساخر في قلب “معارك” الانتخابات بقلم :د. بوزيد الغلى ظهرت أولاً على الخبر الصحراوي.
from الخبر الصحراوي http://ift.tt/1Ejvn09
via IFTTT
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق