منذ إحداثها قبل بضع سنوات أعطت اللجان الجهوية لحقوق الإنسان بالأقاليم الجنوبية نفسا جديدا للملف الحقوقي رغم كل التعثرات والعوائق التي لا يزال يواجهها عملها. فحساسية الوضع السياسي والأمني وتحديات الاستقرار في الصحراء المغربية ومحاولات الخصوم استغلال الورقة الحقوقية كلها اعتبارات تجعل عمل اللجان الجهوية بالأقاليم الجنوبية أكثر صعوبة ودقة من نظيراتها في بقية الأقاليم.
وقد تزامن إحداث هذه اللجان الذي جاء في إطار إعادة هيكلة المجلس الوطني لحقوق الإنسان وفقا لمبادئ باريس مع اختبارات وتحديات كبيرة مرت منها قضية الصحراء المغربية وأخذت في الغالب صبغة حقوقية بالنظر إلى أن المؤامرات الإقليمية والدولية التي كانت تحاك من أجل النيل من الوحدة الترابية لم يعد أمامها إلا ملفان اثنان هما: حقوق الإنسان والثروات الطبيعية.
سد الفراغ
بالإضافة إلى عملها المرجعي المعتمد أساسا على الاستماع وتلقي شكايات الضحايا المفترضين لانتهاكات حقوق الإنسان والتحقيق فيها وتقديم تقارير عن وضعية حقوق الإنسان في الجهات، كان لإحداث هذه اللجان دور سياسي ودبلوماسي هام وحاسم. كان لزاما على المغرب الذي تطرح قضية وحدته الترابية مرتين في السنة (أبريل وأكتوبر) على أنظار مجلس الأمن الدولي للبت فيها وتحديد مصير القوات الدولية المعروفة اختصارا بالمينورسو، (كان لزاما عليه) أن يسد كل الذرائع ويستعد لكل المفاجآت التي يمكن أن تواجهه من جانب الملف الحقوقي.
فالبوليساريو ومن ورائها الجزائر تراهنان بقوة على هذا المحور بعد أن فقدت كل نقاط التفاوض الأخرى جاذبيتها وقوتها، هناك حالة من الانحسار في هامش المناورة لدى الانفصاليين لم يترك أمامهم من خيار سوى العزف على وتر حقوق الإنسان. وهنا لا بد من التذكير بالمأزق الدبلوماسي الذي كاد أن يعصف بجهود المغرب عندما فاجأت المندوبة الأمريكية لدى الأمم المتحدة سوزان رايس المنتظم الدولي باقتراح كان قد تم الترويج له قبل ذلك والمتعلق بتوسيع صلاحيات بعثة المينورسو لتشمل مراقبة أوضاع حقوق الإنسان في المنطقة.
ورغم أن الفيصل في مواجهة هذا الاقتراح كان هو الجهود الدبلوماسية المكوكية التي بذلت حينها فإن البنية المؤسساتية الحقوقية التي شكلتها اللجان الجهوية لحقوق الإنسان بالأقاليم الجنوبية اعتبرت سدا للفراغ الذي كان من الممكن استغلالها إقليميا ودوليا لتدعيم المقترح الأمريكي الذي سرعان ما تم التراجع عنه. لقد شكل وجود هذه اللجان والمهام التي كلفت بها والأعمال المرجعية التي أنجزتها حاجزا منيعا أمام الترويج لأي متدخل خارجي يمكن أن يوظف الورقة الحقوقية.
الوحدة الترابية..الوحدة الحقوقية
هناك غاية لا تقل أهمية تجعل من اللجان الجهوية لحقوق الإنسان بالأقاليم الجنوبية خطوة استراتيجية وسياسية هامة. هذه الغاية تتمثل في مواجهة استراتيجية تجزيئ قضية الصحراء من طرف المنتظم الدولي أو خصوم الوحدة الترابية. فبعد فشل كل الخيارات الجزائرية في تعزيز الانفصال وثقافته في الصحراء يبدو أن الفتوى الانفصالية الجديدة التي تحكمت في مناورات البوليساريو والجزائر هي تلك التي تدعو إلى الفصل بين كل المحاور من أجل التغلغل أكثر دبلوماسيا ومجتمعيا ومن هنا جاءت دعوى فصل الملف الحقوقي في اقتراح توسيع صلاحيت المينورسو. خطورة هذه الاستراتيجية تكمن في نيلها ضمنيا من السيادة الوطنية وبالتالي الإجهاز على كل ما تم إنجازه في مسلسل استكمال الوحدة الترابية. لقد كان من المخطط في حال نجحت الجزائر والبوليساريو في فصل قضايا حقوق الإنسان عن السيادة الوطنية أن يتم بعدها الانتقال إلى ملف تدبير الثروات الطبيعية واستغلالها. هذا يعني أن اللجان الجهوية لحقوق الإنسان شكلت مظهرا قويا من مظاهر السيادة الوطنية على الأقاليم الجنوبية. فقد حالت دون طرح البديل الدولي والأجنبي في هذا الملف وحجمت كل المطالب الحقوقية التي يمكن أن يتم استغلالها أو المبالغة في حجمها لأغراض سياسية انفصالية. لكن هل يقتصر دور اللجا الجهوية لحقوق الإنسان على البعد الاستراتيجي والسياسي؟
نجاحات وإكراهات
لقد أحدثت اللجان الجهوية لحقوق الإنسان المتفرعة عن المجلس الوطني لحقوق الإنسان في إطار المساعي الوطنية نحو تعزيز اللامركزية وتوفير مؤسسات جهوية تحقق شرط القرب من الضحايا المفترضين لانتهاكات حقوق الإنسان إذ لم يتخذ إحداث اللجان بعدا سياسيا واستراتجيا فقط بغرض سد الفراغ ومواجهة الذرائع الدولية، بل إن المشرفين على هذه اللجان في الأقاليم الجنوبية يؤكدون أنها ليست بديلة لأي طرف دوليا أو وطنيا وإنما جاءت استجابة للحاجيات الحقوقية الجهوية المتنامية وانسجاما مع ما تم تحقيقه على المستوى الوطني والمركزي منذ إحداث هيئة الإنصاف والمصالحة ثم إعادة هيكلة المجلس الوطني لحقوق الإنسان.
في الأقاليم الجنوبية كما بقية الأقاليم تراكمت في العقود الأخيرة مظالم عديدة كان لزاما على اللجنة الجهوية سواء بالعيون أو الداخلة أن تبت فيها. وفي هذا السياق حققت هذه اللجان منذ إحداثها نقلة مهمة على مستوى توثيق الانتهاكات الحقوقية وإحصائها ورصدها وسجلت اللجنة الجهوية بالعيون السمارة على سبيل المثال منذ تأسيسها في دجنبر 2011 وإلى غاية أبريل الماضي أكثر من 700 شكاية حول انتهاكات مفترضة لحقوق الإنسان لم تستطع البت سوى في 10 بالمائة منها.
لقد حققت اللجان الجهوية لحقوق الإنسان بالصحراء هدفا مهما من إحداثها يتمثل في توفير القرب على اعتبار أنها سهلت على الضحايا عملية التعبير عن مطالبهم وفضح ما يمكن أن يكونوا قد تعرضوا من انتهاكات أو خروقات لمست حقوقهم وكرامتهم. هذا القرب الذي تتمتع به اللجان الجهوية ساعد كثيرا المجلس الوطني لحقوق الإنسان في تحقيق التواجد الميداني في الأقاليم الجنوبية من خلال الرصد والتتبع وإنجاز تقارير يتوفر فيها الحد الأدنى من المصداقية والدقة. وبناء على هذا الواقع الجديد في مقاربة أوضاع حقوق الإنسان انتزعت اللجان الجهوية اعتراف المؤسسات الدولية بعملها وهذا ما يفسر أنها لعبت دور المخاطب المباشر للكثير من ممثلي المؤسسات الحقوقية الأممية والدولية الذين يقومون بزيارات دورية أو استثنائية للمغرب وأقاليمه الجنوبية.
وعلى الصعيد المحلي استطاعت هذه اللجان الجهوية لحقوق الإنسان أن تخلق علاقة طبيعية وسليمة مع باقي مؤسسات الدولة وعلى رأسها المؤسسة الأمنية وهو ما يساهم ولو نسبيا في رفع اللبس والغموض عن كثير من القضايا الحقوقية المثيرة للجدل والتي تسجل في الصحراء وقد تحمل في طياتها بعض ملامح التوظيف السياسي. هذا الأساس الحقوقي الذي شيدته اللجان الجهوية لحقوق الإنسان في الأقاليم الجنوبية يواجه عددا من العوائق والمثبطات التي لا تسمح بتطوير العمل وتجويده ودفعه نحو المزيد من المهنية والاحترافية، فالعاملون بهذه اللجان لا يخفون حاجتهم إلى المزيد من الدعم اللوجيستيكي والمالي وكذا ضرورة تمكينهم من التكوين اللازم والتأهيل المناسب الذي يمكنهم من أداء مهامهم والوفاء بالتزاماتهم. وإضافة إلى العوائق البشرية والمادية يواجه تطور عمل اللجان الجهوية عائقا تشريعيا بسبب محدودية الصلاحيات المخولة لها وتعلق أعمالها وأنشطتها بتزكية المجلس الوطني لحقوق الإنسان.
عن المساء
التدوينة هل نجحت اللجان الجهوية بالصحراء في تعزيز المكاسب الحقوقية؟ ظهرت أولاً على الخبر الصحراوي.
from الخبر الصحراوي http://ift.tt/1Yi14MP
via IFTTT
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق