الخبر الصحراوي – أخبار الصحراء الان

الجمعة، 14 أغسطس 2015

saharamedia

ها قد رحلت عن دار الغرور متخففا من أدران الدنيا و متاعها الذي عشت مستريحا من اللهاث وراءه . قد لا يقام لك عشاء عزاء فاخر ، لأنك لم ترَ يوما ضمن طوابير المتفاخرين …. وعزاؤك أنك عشت كريما متجافيا عن مجالس ” أعيان الزمان” ، و رحلت كريما صائما عن اللغو و اللهو و نميمة مجالس الانتخابات …

لا يعرف الكثيرون من هو السي الطاهر الذي تسلل ذكره يوما إلى أوراق نشرتها تحت عنوان “أيام الجد و النشاط” ، و قد يكون تمثُّل السي الطاهر القابعة صورته بجلبابه الأبيض و سلهامه المعروف بلغة أهله (أحايْك) مختلفا  عن تمثل صورة الطاهر في مخيلة الأم التي تعرف السي الطاهر ” معلم الصبيان ” ، لكنها لا تحمل تمثلا عن رجل بهذا الاسم سوى “الطاهر بلفرياط ” في أحد الأفلام المغربية …

لأمرٍ ما علقت في ذهني صورة السي الطاهر ، الرجل الذي نال الزمن من زهرة شبابه ، يجلس كل صباح في البيت المعمور ، ماسكا بيده  عصا من جريد النخل ، تبلغ أقصى من يقبع في الحجرة من الصبيان …

تسمع تلاواتهم بعد انفلاق الصبح تعم المكان الذي عمره يوما السيد محمد الشبكي الذي لا نعرف عنه سوى نثار حكايات تنسِب إليه نشر الاسلام بين الوثنيين من إداوقيس في بلدة أسا الجاثمة  بين جبلين تستعر حجارتهما كل صيف ، فتصيب عمّار البلدة بلظى تتفصد الأجساد من حرّه عرقا .

و لا يُغلق الكتّاب المحاذي للمسجد العتيق أبوابه في وجه الصغار سوى يوم الخميس ، إذ شاع قولٌ بين الناس أنه ” يوم ” منحوس” لا يقرأ فيه و لا يدرس   سوى الحمار بوتْليس ، أما يوم الأربعاء ، فيوم تلقي الفقيه معلم الصبيان جزءاً من مكافأته المشهورة ب ” الأربعية” ، بيضة أو بضعة قروش .

و لا يفوت السي الطاهر سانحة تعليم الصبيان الصلاة ، فقد كان يسلمهم ” سطلات” من القصدير لجلب الماء من عين تخرّ خريرا هادئا قرب نخلة مقابلة للبيت العتيق . تلك العين التي لا تعدو أن تكون خطارة تصل إلى “عين تكردات ” جفّت اليوم ، وعفّت عنها نوائب الزمان التي غيرت وجه أشياء الماضي الجميل …

لم يكن السي الطاهر ،كثير الكلام ، فقد كانت لكنته الأمازيغية تغلب فصاحته التي اكتسبها من حفظه للقرآن ، و لقد كان آخر فرسان سلام الضمير ، ترجل عن المنبر ، و استقال إلى ظل الصمت قبل الرحيل  تاركا خلفه   معماراً  دينيا أصيلا يتآكل ، وذاكرة يأكلها الصدأ ….رحم الله ، السي الطاهر ، و أسكنه فسيح الجنان …

د.بوزيد الغلى

التدوينة إلى روح السي الطاهر ظهرت أولاً على الخبر الصحراوي.



from الخبر الصحراوي http://ift.tt/1hapUhM
via IFTTT

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق