تعميماً للفائدة ، يسعد المشرفين على الصفحة الثقافية بالموقع نشر الكلمة الضافية الوافية للأستاذ الأديب ماء العينين ماء العينين في افتتاح لقاء ” الكتابة السردية بالصحراء ”
بسم الله الرحمان الرحيم
و ما توفيقي إلا بالله عليه توكلت و إليه أنيب
بداية أوجه تحية تقدير و عرفان إلى الإخوة أعضاء فرع اتحاد كتاب المغرب بالعيون على الدعوة التي وجهوها لي من أجل الحضور لهذه المائدة المستديرة حول الإبداع السردي الحديث في الصحراء –تجارب و مقاربات- و المشاركة فيها بعرض افتتاحي.و أود كذلك أن أنوه تنويها حارا و كبيرا بما يقومون به ،من أجل الرفع من قيمة الثقافة و الإبداع في هذه الربوع العزيزة علينا جميعا. أهنيء كذلك الفرع الذي ألقى بأزمة أمره إليهم و هم الذين أثروا الساحة الثقافية ليست الجهوية فقط، و لكن الوطنية كذلك بمساهماتهم القيمة و إبداعاتهم المتميزة التي أصبحت تشكل وشمة مضيئة و علامة كبيرة في الذاكرة الثقافية المغربية .
و لا تفوتني الفرصة كذلك دون ان أرحب أصالة عن نفسي و نيابة عنكم بالسيد رئيس اتحاد كتاب المغرب، الناقد الكبير الأستاذ عبد الرحيم العلام و أشكره على ما يقوم به لصالح الثقافة في وطننا عامة و هذه الربوع الغالية بشكل خاص.
الحضور الكرام
إن شيئا كبيرا قد تغير بل أشياء كثيرة قد تغيرت في مغربنا العزيز، و في هذه الجهة الجنوبية تحديدا.
ترجع بي الذاكرة إلى تلك الأيام و الليالي الماطرة الحمقاء من شتاء سنة 1991، وتحديدا أيام 5-6-7-8 من شهر دجنبر، كان لرؤية البروق و سماع الرعود الأثر الكبير والمخيف في النفس و الوجدان على ساكنة هذه المدينة و كان وقع ذلك أكبر على الإخوة و الأخوات أعضاء اتحاد كتاب المغرب القادمين من جميع الجهات، في لقاء هو الأول من نوعه في هذه الربوع الصحراوية. و ذلك بمبادرة و تنسيق من طرفي و باتفاق مع رئيس الاتحاد آنذاك محمد الأشعري.
كانت إرادة الإخوة و الأخوات أكبر من أن تؤثر فيها جلجلة و زمجرة الرعود ووميض البروق الذي يخطف الأبصار، و العواصف الهوجاء لتلك الأمطار الغزيرة التي أسالت الأنهار، و جعلت من أزقة المدينة و شوارعها وديانا يتدفق ماؤها ليلا و نهارا. و أعاقت الحركة بالمدينة، و كذلك كانت إرادة الطبقة المثقفة التي تتبعت الأيام الثقافية من بدايتها إلى نهايتها.
لكن ما كان سيعرقل اللقاء، بل حاول المستحيل من أجل إلغائه أو إفساده، و بشتى الوسائل بما فيها التهديد و الوعيد للمتكلم معكم و لغيره من بعض أعضاء المكتب المركزي. هو عامل الإقليم الذي كان لنا بالمرصاد منذ أن وطئت أقدامنا أرض المدينة إلى حين خروجنا منها. و الآن نرى أن السيد والي الجهة يتقدم المشهد الثقافي و يشرف بنفسه على هذا اللقاء و تكون له فيه الكلمة الأولى. فله مني تحية تقدير و مودة.
الحضور الكرام
والمهنة لابد أن يكون لها تأثير علي،و لذلك استوقفتني من حيث الشكل في موضوع الندوة المستديرة ملاحظة شكلية مهمة رغبت في الإشارة إليها و تتعلق بجملة الإبداع السردي “الحديث” في الصحراء، و هي عتبة موحية وعميقة و تعطي إشارات هامة و تطرح أسئلة مُخلخلة عن هذا الإبداع في علاقة بين الماضي و الحاضر أو بصيغة أخرى بين القديم و الحديث…
و هذا ما سأعتبره نقطة انطلاق محورية لموضوع مداخلتي والتي ستكون ملخصة و مركزة حتى و لو لم يحدد لي وقتا معينا من طرف الإخوة المنظمين مشكورين على ذلك.
أقول إن جملة الإبداع السردي الحديث في الصحراء، استفزتني لإلقاء سؤال : هل كان لدينا إبداعا سرديا قديما ؟
بالرجوع إلى التعريفات العامة التي تناولت مصطلح السرد أو الكتابة السردية سنجد أنها و بكل أنواعها، تشترك في عنصر السرد الذي يتضمن الأحداث الشخصية أو الرمزية في زمان و مكان ما. و من هذا المنطلق يمكن تصنيف هذه الكتابات، دون الغوص في تعريفها إلى الحكاية، القصة القصيرة، الأقصوصة، الرواية، الأسطورة، اليوميات ، السيرة، الحكاية العجيبة، السيرة الذاتية، الرحلات….الخ
بل إن أغلب الدارسين والمتخصصين في هذا الإبداع، يرون أن أنواعه في العالم عديدة لا حصر لها، حتى أن منهم من يعتبر أن الرسائل البريدية تعتبر شكلا من أشكال السرد مستدلين على ذلك بروايات بأكملها، كتبت بهذا الأسلوب و تسمى روايات رسائلية. و في هذا المقام، يرى رولان بارت (1) أن أنواع السرد في العالم لا حصر لها. و أن كل مادة تصلح لكي تتضمن سردا .
يقول : ” السرد يمكن أن تحتمله اللغة المنطوقة شفوية – كانت ام مكتوبة- و الصورة- ثابتة كانت أم متحركة – و الإيماء. مثلما يمكن أن يحتمله خليط منظم من هذه المواد. و السرد حاضر في الأسطورة و في الحكاية الخرافية و في الحكاية على لسان الحيوانات و في الخرافة و في الأقصوصة و الملحمة و التاريخ و المأساة والدراما و الملهاة و البانطونيم و اللوحة المرسومة و في النقش على الزجاج … وفضلا عن ذلك فإن السرد بأشكاله اللانهائية تقريبا حاضر في كل الأزمنة و في كل الأمكنة و في كل المجتمعات، فهو يبدأ مع تاريخ البشرية ذاته ولا يوجد أي سبق بدون سرد” (2)
بل إن ناقدا كبيرا و متخصصا في السرد العربي القديم و الحديث، كسعيد يقطين يؤكد أن جزءا أساسيا من الشعر العربي ينهض على دعائم سردية وأن ثراء التراث الشعري العربي بالمادة السردية لايحتاج إلى دليل(3) . كما نجد في الكثير من قصائد ومقطعات عمر بن أبي ربيعة وبصورة جلية في رائيته:
أمن آل نعم أنت غاد فمبكر غدات غد أم رائح فمبهر
وفي شعر غيره كذلك من الشعراء الذين لهم قصائد كاملة على القص من أمثال الحطيئة والفرزدق والبحتري واللائحة طويلة
و إن نحن استنطقنا تراثنا الثقافي و كنوزه الزاخرة بالعطاء، ألفينا أن بعض علماء المنطقة و أدبائها تعاطوا لهذا النوع الأدبي حتى و إن ظلوا أوفياء للشعر نظرا لحميمية الصلة بين الإنسان الصحراوي و بين الشعر منذ القديم.
و بالعودة إلى الكتابة أو الإبداع السردي، و في علاقة مع ما أوردناه من تعاريف و قراءات، نلاحظ أن لدينا كنوزا ثمينة في السرد، أصابها النسيان و أصبحت عرضة للأرضة تلتهمها، و لأيادي العابثين تعبث بها، و لضعف الذاكرة الجماعية التي تتعرض للانمحاء بسبب قلة البحث و التنقيب و الاهتمام بهذا الجانب مقارنة مع غيره من الأجناس الإبداعية الأخرى و في مقدمتها الشعر.
و سوف لن يجد الباحث و المهتم كبير عناء في البحث عن الأدب السردي في تراثنا القديم، خاصة إذا ما رجع إلى بعض المصادر الثقافية التي اهتمت به، و أشير فقط مثالا لا حصرا إلى كتاب الدكتور محمد الظريف ، الحياة الأدبية في الزاوية المعينية.
فهو يؤكد أن أدب الرحلات يشغل حيزا كبيرا في الحياة الأدبية في هذه المدرسة، ومجالا واسعا من مجالاتها المتعددة. و يظهر ذلك فيما خلفه أبناؤها من رحلات، و سجلوه من مشاهدات. فقد اهتموا بتدوين رحلاتهم و تسجيل مذكرات أسفارهم، فتركوا عددا لا يستهان به من الرحلات مضيفا و التي تختلف حسب نوعيتها و مقاصد كتابتها.
و يمكن عموما تصنيفها إلى رحلات : حجازية، وطنية، دبلوماسية و جهادية. كما يؤكد نفس المصدر أن السير تشغل حيزا كبيرا في الحياة الأدبية لهذه المدرسة، و مجالا فسيحا من مجالاتها المتعددة. ويظهر ذلك فيما خلفه أدباؤها من تراجم متنوعة و سير مختلفة و قبل ذلك نشير إلى ان هذا النوع من الأدب السردي، كان موجودا كذلك في المدرسة الأدبية لأقصى جنوب المملكة- تيرس- و نجده تحديدا في رحلة ولد طوير الجنة…دون أن ادخل في تفاصيل هوية هذه المدرسة هل هي مغربية أو موريتانية لأن الأدب و الفكر عموما في هذه المرحلة كان فضاء مشتركا مع الشقيقة موريتانيا.
أما الشعر بمفهومه السردي كما أسلفنا القول فلقد كان عندهم هو الصناعة الفكرية الأساس شأنهم في ذلك شأن غيرهم من العرب الأوائل. هذه الصناعة التي يؤكد بعض الدراسيين و المهتمين به أنها تقوم عليها صناعات أخرى تتغذى منها، و تستمد شرعيتها، و مبرر وجودها، كالرواية و النقد إضافة إلى تخليد المآثر.
و لذلك فقد اعتبر الشعر أحد الأوعية الحاملة للقصص العربي، و أحد مصادره بما تضمنته نصوصه من أخبار و إشارات جلية أو ضمنية إلى حوادث و وقائع عاشها الناس أفرادا أو جماعات.
وإذ نحن تتبعنا مصادر السرود العربية والأوعية التي حملته ومضانها, وهي كثيرة ومتعددة ومتنوعة كما يؤكد د إبراهيم صحراوي في كتابه السرد العربي القديم،(4) ألفينا أن أغلبها كان موضوع الكثير من الشعر الصحراوي خاصة القديم منه ونجد ذلك جليا فيما يتعلق منه بالسرد الديني الاجتماعي، السرد التدويني التوثيقي (العلمي الشارح) السرد التربوي التعليمي الملقن، والسرد الإخباري الإمتاعي الترويحي و هذا عكس ما يذهب إليه بعض الدارسين (المستشرقين على وجه الخصوص) من خلو الشعر العربي من أي أثر للشعر القصصي أو التمثيلي (5) ذلك أنهم يبنون هذا الرأي قياسا بما يجدونه من التراث اليوناني مما عابوا غيابه في الشعر العربي
و من هذا المنطلق فسوف لن نجد كبير عناء – إن نحن استنطقنا موروث القوم الشعري عما يؤكد أن هناك قصائد شعرية تنهض على دعائم سردية شأنها في ذلك شأن الجزء الأساسي من الشعر العربي الذي يؤكد الناقد الكبير سعيد يقطين أنه ينهض على دعائم سردية، بل نذهب إلى أبعد من ذلك و يؤكد أن السرد العربي رديف للشعر العربي.
فهل هناك قصائد تحمل سمات رواية سردية؟ يمكن القول بأن منهما من يعتبر فعلا عملا قصصيا سرديا بكل ما في الكلمة من معنى، أشير في هذه العجالة مثالا لا حصرا إلى أسماء تمثل الطبقات الشعرية لشعرائنا في الجنوب التي طرقت هذا النوع الشعري السردي وهي محمد بن الطلبة اليعقوبي، محمد لابوا ماءالعينين بن العتيق محمد الغلاوي، عبد السلام الشام…حمداتي شبيهنا ماءالعينين….
من خلال ما سبق، يتأكد لنا أن المكون السردي، لم يكن غائبا عن الإبداع الأدبي في الثقافة الصحراوية و لكن يطرح أسئلة أو سؤالا كبيرا و عميقا عن المنجز السردي الحديث، و تأخر ظهوره في هذا الفضاء الثقافي و نعني بطبيعة الحال الأشكال السردية الحديثة كالرواية و القصة و المسرحية…، رغم أن ارتباط الصحراء العربية عموما بالشعر لم يمنعها من إنجاب روائيين كبار من طينة عبد الرحمان منيف و ابراهيم الكوني…
نطرح السؤال و نحن نستحضر أن أول عمل روائي عربي اعتبر رسميا و لقي الاهتمام اللازم هو رواية “زينب” لمحمد حسن هيكل سنة 1914. و أن أول عمل روائي على المستوى الوطني تراوح بين رواية ” الزاوية” للتهامي الوزاني 1942 و في الطفولة لعبد المجيد بن جلون ( نهاية الأربعينات صدرت في حلقات في مجلة رسالة المغرب لتصدر كاملة في بداية الخمسينيات)
و بالنسبة للسياق الثقافي الحساني العام، فإن أول عمل روائي سجل سنة 1981 “الأسماء المتغيرة” لاحمد ولد عبد القادر الروائي و الشاعر الموريتاني الكبير
بالنسبة للصحراء فإننا سننتظر إلى غاية سنة 1997 تاريخ إصدار رواية ” لا احد يعرف ما أريد” لأحمد القاري (الفائزة بجائزة دار الفكر للرواية و القصة). هذا العمل ظل يتيما ، إلى سنة 2006 تاريخ صدور محكيات “أنشودة الصحراء الدامية”
و أفتح قوسا لأشير و أوضح أن الحديث عن هذه الإصدارات و التي توثق” رسميا” للمراحل التي قطعها الإبداع السردي الحديث في الصحراء، لا تعني بالضرورة الغياب التام لأية إبداعات طيلة هذه المدة الفاصلة بين أول و ثاني عمل. و أريد هنا أن أنوه باسم لافت و حاضر بقوة مشرفة على الساحة الأدبية الوطنية و يتعلق الأمر بالقاصة و الروائية ” البتول المحجوب لمديميغ و لا عجب أن تلد الصحراء مبدعات من طينتها. فرغم أن أول إصدار لها كان سنة 2007 بمجموعتها القصصية “مرثية رجل” إلا أنها كانت حاضرة في المشهد الثقافي من خلال كتاباتها و أعمالها خصوصا على مستوى النشر الالكتروني و المنتديات الثقافية.
عناوين أخرى توالت و وقعت على ولادة أسماء جديدة و واعدة كيحظيه بوهدا و محمد الوامان وسعاد ماءالعينين و النعمة بيروك و محمد فاضل في أدب الرحلة و يحانيدو…و أسماء أخرى نرجو لها التوفيق و المتابعة النقدية التي تستحقها و بالمناسبة أريد أن انوه بالمتابعة النقدية العلمية الرصينة التي يقوم بها الدكتور لغلا بوزيد…
و ندعو إلى مزيد من هذه اللقاءات التي تلقي الضوء على العوالم التخييلية و الذاتية و الموضوعية التي تميز الإبداع السردي في الصحراء و التي يمكن أن نقول عنها إجمالا أنها تمتح من رافدين أساسيين تجليا في هذا المتن الذي يحفر طريقه بهدوء و لكن بعمق. و أقصد الجانب الذاتي الخاص بالمبدع و الذي يتجلى في الاحتفاء و استحضار التجربة الشخصية في مساراتها. و الجانب العام و الذي يمكن من خلاله الحديث عن ملامح و سمات روائية ذات خصوصية صحراوية تتجلى في تفاعل هذه النصوص السردية مع الآمال و الآلام، و يمكن الحديث عن تيمات معينة كالمعاناة المرتبطة بسنوات الجمر و الرصاص و البداوة كمعطى ثقافي و حضاري وصورة المدينة/المنتهكة… و غير ها من الموضوعات التي تثبت خوض العمل السردي في ما كان حكرا على الشعر الذي اعتبر دائما الوسيلة الأدبية الوحيدة و الفعالة التي اتخذها أدباء الصحراء للتعبير عما كان يغلي به وجدانهم. …
و يمكن أن نسوق أسبابا و محفزات تشرح هذا التحول أو الانفتاح على أجناس أدبية لم تكن تحظى باهتمام المبدعين:
أولا: التحولات الاجتماعية التي طرأت على المنطقة وما صاحب ذلك من تغيير على البنية الاجتماعية التقليدية التي اهتزت من الداخل أمام أنماط الحضارة القادمة من الشمال والتي تحمل في طياتها دعائم مجتمع مدني جديد
ثانيا تخلخل بنية الاستقرار السكاني المتمثلة في النزوح نحو المناطق الحضرية بعيدا عن المناطق الصحراوية
ثالثا : ولوج أبناء وبنات الجهة لمختلف الكليات والمدارس والمعاهد داخل الوطن وخارجه والنهل من معين الثقافة الحديثة الذي يعتبر الأدب السردي إحدى مقوماتها الأساسية ورافدا جديدا من روافدها المتدفقة
رابعا: الاطلاع على التجارب الغربية عامة والعربية خاصة واستغلالها من طرف المثقفين دون أن ننسى أن تراكم الموروث القصصي المتنوع لهذه الجهة وما نمسي ونصبح عليه من حكايات وبطولات وأمجاد وعلاقات ومآسي كذلك. وتعدد وجوه الفضاء الاجتماعي والتراكم المتعاقب للظواهر والأحداث الجهوية والوطنية كل ذلك وغيره شكل رافدا غنيا ومادة دسمة لهذا الوافد الجديد على الساحة الثقافية الصحراوية.على هذه الأرضية، وبتأثير منها نهضت تجارب الأجناس الأدبية الحديثة .
ختاما السادة والسيدات
كتب الشاعر والمناضل محمد الحبيب الفرقاني مقالة في مجلة رسالة الأديب نقتطف منها الفقرة الدالة الآتية: “الأدب مسؤول أن يعيش هموم الحياة وآلامها وآمالها وينزل الى الجماهير الكادحة الهاجعة ليحركها ويوقظها ويبعث في جوانبها الحركة والتمرد والحياة والأمل، إن الأديب ليس فقط فنانا ومسؤولا وإنما تقوم هذه المسؤولية على استطاعته أكثر من غيره بتحسس الحياة وما تعج به من آلام وآمال. فعلى الأديب أن ينسجم مع محيطه ، وظروف مجتمعه.”
ومن هذا المنطلق فإنني أهيب بالطبقة المثقفة الواعية والبعيدة عن النظرة الضيقة والأنا المتحكمة في دواخلنا، وإقصاء الغير الذي نجعله هدفا مشروعا يدافع عنه كل منا بما أوتي من قوة، أن تكون واعية بأهمية المواكبة و الدراسة و القراءة في تراثنا الأدبي عموما و الحديث منه على وجه الخصوص .
و هذه مسؤولية يجب أن يتحملها بالدرجة الأولى أبناء هذه الثقافة لأنه – للأسف –نلاحظ ضعف الاهتمام بهذا المنجز السردي في الكتابات النقدية العامة في الدرس الأدبي الوطني. و لذلك أستحضر هنا ما كان يقوم به علماؤنا من احتفاء و توثيق للثروات العلمية و الأدبية في المنطقة و لولا ذلك لما وصلنا شيء منها. و هذا أمر يكاد يكون عاما إذا استبعدنا “المراكز الرسمية” فلولا المختار السوي مثلا- مع تحفظنا على الكثير مما جاء في مؤلفاته- لما عُرف شيء عن ثقافة سوس…الخ
وسوف لن أنهي هذه المداخلة قبل توجيه تحية تقدير وإكبار كذلك إلى المبدعات اللواتي نجد في كتاباتهن روح التمرد في مفهومه الايجابي ، وهاجس تخطي السلطة الذكورية وكذا رفض الانصياع للحتمية السائدة التي أملتها ظروف قبلية تتغير بحسب هذه القبيلة أو تلك.
أتوجه كذلك بتحية تقدير واعتبار إلى كافة المبدعين الذين عملوا بكتاباتهم المتميزة، و السردية منها خاصة، على استجلاء خصوصية المنطقة وغناها التراثي، ومآسيها المؤسفة. فبكتاباتهم وإبداعاتهم، أصبحنا نرى تراكما يؤهلنا للحاق بركب الإبداع الأدبي عموما والسردي على وجه الخصوص. . و لكن أيضا يمكننا من تأسيس خطاب متميز له خصوصيته و إضافاته و التي بدأت تتضح معالمها. يقول سعيد يقطين عن رواية أضغاث أحلام، أنها محاولة للكتابة الواعية فنيا عن الذات حول موضوع يتصل بها بشكل مباشر..و في نفس الإطار تقول الناقدة الدكتورة زهور كرام أن هذه الكتابة التي تستحضر التاريخ و المجتمع و الثقافة، لا تعني استهلاك الرؤية التقليدية ذات العلاقة بالمنهج التاريخي والواقعي والاجتماعي، إنما ما يحدث هو إدخال المؤلف لمساره الواقعي داخل النص من أجل إعادة قراءة المسار، وتأمله، وإنتاج وعي به.
وهذا يدفعنا أكثر إلى التحدي والتحفيز كي نحقق التجربة الخلاقة والمتفردة. و أن لا ننتظر..من إخواننا في الشمال خاصة الطبقة المثقفة أن تهتم بنا فهو لا يعرفون عنا و عمن سبقنا إلا النزر القليل حتى لا أقول لا يعلمون عن عطائنا شيئا شأننا في ذلك شأن من سبقنا من العلماء و الأدباء و المفكرين عكس ما نعرفه نحن عنهم و عن إنتاجهم الذي هو جزء من ذاكرتنا الوطنية التي نعتز بها اعتزازا كبيرا….
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- النقد البنيوي للحكاية- ترجمة أنطون أبو زيد (ص 95 منشورات عويدات بيروت 1988)
- التحليل البنيوي للسرد (ترجمة حسن بحراوي- بشير القمري – عبد الحميد مقلد
- سعيد يقطين، السرد العربي مفاهيم و تجليات ص 62
- السرد العربي القديم -الأنواع والوظائف والبنيات-ص 11
- أحمد أمين ، فجر الإسلام ص36
التدوينة القاضي الأديب ماء العينين ماء العينين متحدثاً عن المنجز الروائي بالصحراء ظهرت أولاً على الخبر الصحراوي.
from الخبر الصحراوي http://ift.tt/1MVzXEg
via IFTTT
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق